الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

87

الأخلاق في القرآن

« الدّهاء والمكر » ، هو الإفراط في القوّة العقلية ، لأنّ « الدّهاء والمكر » لا ينشأ من الذّكاء والفهم ، بل هو نوعٌ من الانحراف والاشتباه في المسائل ، للعجلة في الحكم على الأمور وما يُشابهها . فالرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وصل إلى درجةٍ في العقل والفكر ، بحيث اطلق عليه العَقلُ الكلّ ، فهل هذا مخالفٌ للفضيلة ؟ ! وصحيحٌ أنّ العقل والذّكاء المُفرط ، يسبّب آلاماً ومصاعب لا يلاقيها الغافلون ، غير المطّلعين ، ولكنّه مع ذلك يعتبر من الفضائل والكمالات . وكذلك « العدالة » ، حسبوها من الفضائل الأخلاقيّة ، والإفراط والتّفريط فيها هو « الظّلم » و « الإنظِلام » ، أي ( قبول الظّلم ) ، والحال أنّ قبول الظّلم والانصياع له لا يمكن أن يُعتبر من التّفريط في العدالة أبداً ، بل هو مقولةٌ أخرى . وبناءً على ذلك ، فمسألة الإعتدال في صِفات الفضيلة ، في مقابل الإفراط والتّفريط للصّفات الرّذيلة ، يمكن أن يكون مقبولًا في أغلب الموارد ، ولكن لا يمكن أن يُعتبر حُكماً عامّاً ، وأصلًا أساسياً في البحوث الأخلاقيّة . النتيجة : أنّ الأصول الأربعة التي أعدّها القدماء للأخلاق ، هي في الواقع إكمالٌ لما جاء به فلاسفةُ اليونان القُدماء ، لكنّها لا يمكن أن تكون نموذجاً ومقسماً جامعاً للصّفات الأخلاقيّة ، وإن كانت تصدق على كثيرٍ من المسائل الأخلاقيّة . العودة للُاصول الأخلاقيّة في القرآن الكريم : نعود لتحليل الأصول الأخلاقيّة التي نستوحيها من القرآن الكريم ، فنحن نعلم أنّ القرآن الكريم لم يُنظّم ككتابٍ تقليدي ، في أبوابٍ وفصولٍ ، كما هو المتعارف اليوم ، بل هو مجموعةٌ من القاءات الوحي السّماوي ، نزل بالتّدريج على حسب الحاجة والضّرورة ، ولكن وبالاستفادة من طريقة التّفسير الموضوعي ، يمكن وضعه في مثل هذه القوالب . ومن التّقسيمات الّتي يمكن إستيحاؤها وإستفادتها من مجموع الآيات القرآنية ، هو تقسيم